الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

218

نفحات القرآن

عن المستضعفين ويعطون خبزاً للطيور فيحكم عليهم بالاعدام ) . وعلى أيّة حال ، فإنّ هاتين الرؤيتين اللتين حكاهما القرآن بصراحة يكشفان عن امكان اعتبار الرؤيا كمصدر للمعرفة ، بالطبع لا كل رؤيا ولا كل معبّر ومفسر لها . 7 - رؤيا سلطان مصر التي جاءت في نفس السورة ، وهي نموذج واضح آخر للرؤيا الصادقة ، يحكي القرآن هذه الرؤيا قائلًا : « وَقَالَ الْمَلِكُ انِّى أَرَى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ واخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَاىَ انْ كُنْتُم لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ » . ( يوسف / 43 ) وبما أنّ حاشية الملك لم يكونوا خبراء بتعبير الرؤيا ، قالوا له : « أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين » . يحتمل أنّهم أرادوا طمأنة سلطان مصر بحديثهم هذا ( ينبغي الالتفات إلى أنّ ملك مصر وفرعونها هو الحاكم العام لمصر ، بينما عزيز مصر هو - كما يقول بعض المفسرين - وزير الخزينة ، واسم فرعون المعاصر ليوسف هو « ريان بن وليد » واسم عزيز مصر « قطفيرعطفير » « 1 » . فتذكَّر عندها ساقي الملك الذي اطلق سراحه من السجن بعد أن رأى الرؤيا وأولها يوسف ، فحكى القصة للملك فبعث الملك شخصاً إلى يوسف كي يأوّل المنام ، فأوله هكذا : « قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَآ حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ الَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ الّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ » . ( يوسف / 47 - 48 ) وقد تحقق المنام بعد ذلك ، وعندما شاهدوا الصدق والمعرفة في يوسف عليه السلام ، أطلقوا سراحه ، وقد أدى به الأمر أن أصبح عزيز مصر ووزير الخزينة ، ثم من بعده أصبح ملك مصر كلها مع سعتها وعمرانها .

--> ( 1 ) . نقل هذا المضمون في التفسير الكبير للفخر الرازي ، ج 18 ، ص 108 ( وللتفصيل يراجع « اعلام القرآن » ، ص 673 ، كما قد صرّح « أبو الفتوح الرازي » أن نهاية يوسف وصوله إلى سلطة مصر » تفسير روح الجنان ، ج 6 ، ص 401 .